بئر كولا

بواسطة: اداراة الموقع

بئر كولا: حقيقة الجحيم والصرخات التي قيل إنها خرجت من أعماق الأرض

مبحث في حقيقة ما جرى في بئر كولا، وما صح من الرواية وما لم يصح

بقلم: وولف العتيبي

في البداية، هذه ليست قصة من نسج الخيال كتلك القصص القصيرة والروايات التي اعتدت كتابتها، وإنما هي رواية قديمة اشتهرت بين الناس، ووجدت طريقها إلى الصحف والنشرات والبرامج ثم إلى شبكة الإنترنت، حتى أصبحت عند بعض الناس من الحقائق المسلَّمة، مع أن البحث في أصلها يكشف أن فيها من الحقيقة شيئًا، وفيها من المبالغة والاختلاق أشياء.

وقد دفعتني غرابة هذه الرواية إلى الوقوف عندها، لا لأثبتها ولا لأنفيها لمجرد الميل إلى أحد الطرفين، وإنما لأبحث عن أصلها، وعن بئر كولا الذي ارتبط اسمها به، وعن العالم المسمى في الرواية «أزاكوف»، وعن التسجيل الصوتي الذي قيل إنه يحمل صرخات ملايين المعذبين، ثم أنظر بعد ذلك فيما يمكن أن يقال من الناحية الشرعية، والله تعالى أعلم.

فالقرن العشرون قريب منا نسبيًا، وقد ترك وراءه صورًا ووثائق وتقارير وأخبارًا ومشروعات علمية موثقة، ولذلك فإن بعض القصص التي نشأت فيه يمكن تتبعها ومقارنتها بالسجلات الحقيقية. وهذا بخلاف أخبار قديمة جدًا لا يبقى منها إلا ما نقله المؤرخون وأهل العلم.

والروايات المتداولة بين الناس ليست كلها على درجة واحدة؛ فمنها ما يقوم على حادثة حقيقية ثم يضاف إليها شيء من الخيال، ومنها ما يكون خيالًا محضًا، ومنها ما يبدأ بخبر غامض ثم تتناقله الألسن حتى تتضخم تفاصيله، فيصبح بعد سنوات قصة كاملة يختلط فيها الصحيح بالباطل.

ورواية «بئر كولا والجحيم» من هذا النوع الأخير فيما يظهر لي، والله أعلم.


أولًا: ما قصة بئر كولا؟

قبل أن نتحدث عن الجحيم والصرخات، ينبغي أن نعرف أن هناك أمرًا حقيقيًا بالفعل يقف خلف هذه القصة.

فقد أقام الاتحاد السوفيتي مشروعًا علميًا ضخمًا لحفر أعمق حفرة استكشافية في القشرة الأرضية، في شبه جزيرة كولا شمال غربي روسيا، وعُرف المشروع باسم Kola Superdeep Borehole، أو البئر السوفيتي فائق العمق.

وقد بدأ الحفر في 24 مايو 1970، وكان الهدف العلمي هو دراسة القشرة الأرضية ومعرفة خصائص الصخور في الأعماق الكبيرة.

ولم يكن المشروع قصة مجهولة ظهرت بعد انتشار الإنترنت، بل كان مشروعًا علميًا معروفًا وله تقارير ودراسات منشورة منذ فترة المشروع نفسه. ومن الوثائق المهمة في هذا الباب تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الصادر سنة 1986 بعنوان:

The Kola, USSR, Superdeep Drill Hole

وهو تقرير علمي يقع في مئات الصفحات ويتناول المشروع ونتائجه الجيولوجية.

إذن، أصل القصة صحيح:

بئر كولا موجود فعلًا، ومشروع الحفر حقيقي، والعمق الذي وصل إليه الحفر كان هائلًا.


ثانيًا: إلى أي عمق وصل الحفر؟

تذكر الدراسات العلمية الخاصة بالبئر أن أعمق مسار وصل إلى 12,262 مترًا، أي أكثر من اثني عشر كيلومترًا داخل القشرة الأرضية.

وهذا الرقم مهم جدًا، لأن الرواية الشعبية كثيرًا ما تتحدث عن:

14.4 كيلومترًا

وتربط ذلك باللحظة التي قيل إن الحفارين فيها وصلوا إلى «الجحيم».

أما الرقم الموثق لبئر كولا فهو:

12,262 مترًا.

وهذا وحده يوضح أن هناك اختلافًا جوهريًا بين المشروع الحقيقي والرواية الشعبية.

والأمر لا يتوقف هنا.

فالحفر لم يكن عملية مستقيمة بسيطة، بل مر بمراحل متعددة، وتعطلت بعض الآبار الفرعية، وفُقد جزء من معدات الحفر في أحد المسارات، ثم استؤنف العمل من أعماق أقل.

ففي سنة 1984، وبعد وصول الحفر إلى نحو 12,066 مترًا، حدثت مشكلة أدت إلى فقدان جزء من سلسلة الحفر داخل البئر، ثم استؤنف الحفر لاحقًا من مستوى يقارب 7,000 متر في مسار جديد. وفي سنة 1989 وصل أحد المسارات إلى الرقم القياسي البالغ 12,262 مترًا.

ولهذا فليس دقيقًا القول إن «الأرض انهارت فأفقدت الحفرة خمسة آلاف متر من عمقها»، وإنما الذي وقع كان من مشكلات معدات الحفر وسلسلة الحفر نفسها، ثم جرى استئناف العمل من مسار آخر.

وهذه نقطة أحببت تصحيحها لأن الرواية الشعبية أضافت إلى المشروع الحقيقي تفاصيل غير دقيقة.


ثالثًا: ماذا عن الحرارة في أعماق بئر كولا؟

هذه النقطة من أكثر النقاط التي جعلت الرواية تبدو قابلة للتصديق عند بعض الناس.

فكلما نزل الإنسان إلى أعماق الأرض ارتفعت درجة الحرارة، وهذا أمر معروف في علم الأرض.

لكن المفاجأة التي واجهت العلماء في بئر كولا أن درجات الحرارة في الأعماق كانت أعلى مما كانوا يتوقعون، الأمر الذي جعل استمرار الحفر أكثر صعوبة.

وتشير البيانات العلمية المنشورة عن البئر إلى أن درجة الحرارة بلغت نحو 180 درجة مئوية في عمق يقارب 11.9 كيلومترًا في أحد مسارات الحفر اللاحقة، أي نحو 356 درجة فهرنهايت.

وهذا رقم مرتفع جدًا بالنسبة إلى معدات الحفر، لكنه ليس دليلًا على وجود الجحيم.

فالحرارة الجوفية ظاهرة طبيعية، وكلما نزلنا في القشرة الأرضية ارتفعت الحرارة عمومًا، وإن اختلف معدل الارتفاع باختلاف المنطقة وتركيب الصخور.

أما الرواية الشعبية فتذكر أرقامًا أخرى، تصل في بعض نسخها إلى 2000 درجة فهرنهايت، أي ما يقارب 1093 درجة مئوية.

وهذه الأرقام مرتبطة بالرواية المتداولة، وليست بالبيانات العلمية الموثقة لبئر كولا.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

حرارة حقيقية قاستها أجهزة مشروع علمي حقيقي،

وبين:

درجة حرارة وردت في قصة لم تثبت أصلًا.


رابعًا: من هو الدكتور أزاكوف؟

وهنا ندخل في أكثر أجزاء الرواية إثارة للريبة.

تقول القصة إن مدير مشروع الحفر كان عالمًا روسيًا اسمه:

Dr. Azzacov

أو:

Dmitry Azzacov / Izakov

وأن هذا الرجل قال بعد سماع الأصوات:

«كشيوعي لا أؤمن بالجنة أو الكتاب المقدس، ولكن كعالم أصبحت الآن أؤمن بالجحيم.»

ثم قيل إنه وصف لحظة وصول الحفر إلى التجويف المزعوم، وذكر أن أجهزة الحرارة سجلت ألفي درجة فهرنهايت، وأن العلماء أنزلوا ميكروفونًا فسمعوا صرخات ملايين البشر.

غير أن البحث في المصادر العلمية والتاريخية الخاصة بمشروع كولا لا يقدم لنا توثيقًا موثوقًا لشخص بهذا الاسم بوصفه مديرًا للمشروع أو صاحب هذه التصريحات.

وهذه ليست مسألة بسيطة.

فلو كان رجل بهذا الاسم هو مدير المشروع فعلًا، وكان قد أعلن اكتشافًا بهذا الحجم، لكان من المتوقع أن نجد اسمه في التقارير العلمية أو في الوثائق المتعلقة بالمشروع، لا أن يبقى ظهوره محصورًا في الرواية التي تتحدث عن الجحيم.

والأقرب عند النظر إلى أصل القصة أن «أزاكوف» جزء من البناء القصصي الذي أضيف إلى المشروع الحقيقي، وليس شخصية موثقة من قيادات مشروع بئر كولا، والله أعلم.


خامسًا: من أين جاءت الرواية أصلًا؟

هذه من أهم مراحل التحقيق.

فالرواية لم تظهر أول مرة على الإنترنت في بداية الألفية كما يظن بعض الناس.

بل كانت موجودة قبل ذلك.

وتتبع الباحثون قصة «الحفر إلى الجحيم» إلى منشورات دينية وشعبية، ثم ظهرت في الولايات المتحدة عبر شبكة Trinity Broadcasting Network (TBN) في أواخر الثمانينيات.

وهنا يجب تصحيح أمر مهم في بعض الروايات العربية التي تصف TBN بأنها «صحيفة فنلندية».

هذا غير صحيح.

TBN شبكة تلفزيونية دينية أمريكية، وليست صحيفة فنلندية.

أما المصدر الفنلندي الذي أُشير إليه في بعض سلاسل الرواية فهو منشور ديني صغير، ونُقلت القصة على أنها ترجمة لمقال أو خبر فنلندي.

وقد روى الباحث Rich Buhler أنه بدأ في التحقيق في القصة بعد أن اتصل به عدد كبير من الناس في أوائل التسعينيات، وكان كثير منهم قد سمعها عبر TBN. وعندما تواصل مع الشبكة قيل له إن لديهم وثيقة تؤيد القصة، ثم وجد في نشرتهم أن التفاصيل منسوبة إلى ترجمة لمقال فنلندي.

لكن عندما بدأ تتبع السلسلة وجد أن المصدر يتراجع خطوة بعد خطوة، من نشرة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، دون الوصول إلى تقرير علمي أصلي صادر عن علماء بئر كولا.

وهنا تكمن المشكلة.

فالسلسلة تصبح:

رواية منقولة → نشرة → منشور آخر → مصدر غير موثق → ثم قصة علمية مزعومة.

ولا نجد في نهاية السلسلة:

تقريرًا سوفيتيًا أصليًا يقول إن العلماء حفروا إلى الجحيم.


سادسًا: قصة آغه رندالن

وهنا يظهر اسم مهم في تاريخ هذه الأسطورة:

Åge Rendalen

وهو نرويجي كان في الولايات المتحدة في أواخر عام 1989، وسمع القصة عبر TBN.

وقد كتب رندالن لاحقًا عن تجربته بنفسه، وذكر أن القصة التي شاهدها على القناة أثارت استغرابه، فقرر أن يختبر مدى تدقيق من ينشرها.

فأرسل إلى الشبكة قصة أكثر غرابة، وأضاف إليها تفاصيل مختلقة، ثم قدّم ترجمة إنجليزية زائفة لنص نرويجي لا علاقة له بالحفر إلى الجحيم، وكان يريد بذلك أن يرى هل ستقوم الجهة الناشرة بالتحقق مما أرسلته أم لا.

والذي حدث أن القصة نُشرت دون التحقق الكافي منها.

وهذه الحادثة مهمة؛ لأنها تكشف لنا كيف يمكن أن تنتقل الأسطورة من مصدر إلى مصدر، وأن يتحول الخبر غير الموثق إلى «حقيقة» لمجرد أن جهة إعلامية نقلته.

وتتبعت تحقيقات لاحقة هذه السلسلة، وذكرت أن القصة كانت قد وصلت إلى منشورات دينية وشعبية قبل أن تتضخم عبر وسائل الإعلام، ثم أصبحت لاحقًا من أشهر الأساطير المرتبطة بالاتحاد السوفيتي وبئر كولا.


سابعًا: أين التسجيل الصوتي؟

وهنا تأتي أشهر قطعة في القصة كلها.

فقد ظهر تسجيل صوتي يقال إنه يحتوي على:

صرخات المعذبين في الجحيم.

ويُقال إن العلماء أنزلوا ميكروفونًا خاصًا إلى البئر، ثم سجلوا هذه الأصوات.

والتسجيل بالفعل موجود، ويمكن لأي إنسان أن يسمعه، ولذلك يقول البعض:

«إذا كانت القصة كذبًا، فمن أين جاء الصوت؟»

وهذا سؤال مشروع.

لكن وجود تسجيل صوتي لا يثبت مصدره.

فلكي نقول إن التسجيل خرج من بئر كولا، نحتاج إلى إثبات سلسلة كاملة:

  1. أن التسجيل أصلي.
  2. أن التسجيل سُجل في بئر كولا.
  3. أن الجهاز المستخدم كان موجودًا في ذلك العمق.
  4. أن التسجيل لم يُعدل.
  5. أن الصوت الذي نسمعه هو فعلًا صوت صادر من البيئة الموجودة في قاع البئر.
  6. ثم، بعد ذلك كله، إثبات أن مصدر الصوت بشر يتعذبون في الجحيم.

ولا توجد هذه السلسلة من الأدلة.


ثامنًا: هل التسجيل مأخوذ من فيلم رعب؟

توجد رواية واسعة الانتشار تقول إن التسجيل الذي عُرف باسم «أصوات الجحيم» ليس تسجيلًا جيولوجيًا أصلًا، وإنما هو مؤثر صوتي جرى أخذه أو تركيبه من مؤثرات فيلم الرعب الإيطالي Baron Blood الذي صدر سنة 1972، ثم جرى تكراره وخلطه وإضافة مؤثرات إليه.

وقد ناقشت هذه الفرضية مصادر عدة، ومن أشهرها تحقيق Skeptoid في الحلقة رقم 307 المعنونة:

The Siberian Hell Sounds

كما أن مصادر تتبع الأسطورة تشير إلى ارتباط التسجيل بمؤثرات فيلم Baron Blood.

لكن هنا أحب أن أكون دقيقًا.

لا ينبغي أن نقول:

«ثبت يقينًا أن التسجيل كله مأخوذ من الفيلم.»

إلا إذا قدمنا تحليلًا صوتيًا جنائيًا موثقًا يثبت التطابق الكامل.

الأدق أن نقول:

هناك أدلة وادعاءات متكررة تربط الصوت بمؤثرات فيلم رعب إيطالي صدر سنة 1972، ولا يوجد في المقابل دليل موثوق يثبت أن التسجيل التُقط في بئر كولا.

وهذا كافٍ لإسقاط دعوى أن التسجيل دليل على وجود الجحيم.


تاسعًا: ولكن ماذا لو كان الصوت حقيقيًا؟

هنا ينبغي ألا نقع في خطأ آخر.

قد يكون الصوت ملفًا صوتيًا حقيقيًا من حيث وجوده، ومع ذلك لا يكون مصدره بئر كولا.

وقد يكون تسجيلًا حقيقيًا لصوت بشري، أو مؤثرًا صوتيًا، أو صوتًا مركبًا، أو تسجيلًا جرى تعديله.

فكلمة:

«حقيقي»

لا تعني بالضرورة:

«حقيقي المصدر الذي نُسب إليه».

وهذه قاعدة مهمة جدًا في التحقيق.

فلو وجدت تسجيلًا لصوت إنسان يصرخ، فهذا يثبت أن هناك تسجيلًا لصوت يشبه صرخة إنسان، لكنه لا يثبت أن الصرخة خرجت من بئر كولا، ولا أنها صرخة ملايين الموتى، ولا أنها من الجحيم.


عاشرًا: هل كان بئر كولا حفرة إلى باطن الأرض العميق كما يتصور الناس؟

لا.

وهنا أيضًا دخلت الأسطورة في الخيال.

بئر كولا لم يخترق الأرض حتى مركزها، ولم يصل إلى طبقات باطن الأرض العميقة جدًا كما يتخيل البعض.

إنما حفر في القشرة الأرضية.

وعمق 12.262 كيلومترًا رقم هائل بالنسبة إلى قدرة الإنسان على الحفر، لكنه صغير جدًا مقارنة بنصف قطر الأرض البالغ نحو 6371 كيلومترًا.

أي أننا لو تخيلنا الأرض كرة ضخمة، فإن بئر كولا لم يكن أكثر من خدش بالغ الصغر في سطحها.

وهذا لا يقلل من إنجاز المشروع، بل على العكس؛ فالإنجاز كان في الوصول إلى ذلك العمق داخل الصخور مع المحافظة على معدات الحفر والعمل في ظروف حرارية وضغطية شديدة الصعوبة.


الحادي عشر: لماذا تبدو قصة الجحيم مقنعة؟

لأنها بنيت من أشياء حقيقية.

وهذه هي براعة الأسطورة.

فهي لم تقل:

«كان هناك رجل في روسيا رأى الجحيم.»

بل أخذت مشروعًا علميًا حقيقيًا.

ثم أضافت:

عمقًا هائلًا.

ثم:

حرارة شديدة.

ثم:

تجويفًا غامضًا.

ثم:

ميكروفونًا.

ثم:

أصواتًا بشرية.

ثم:

ملايين المعذبين.

ثم:

عالمًا شيوعيًا أعلن إيمانه بالجحيم.

كل معلومة تجعل التي بعدها أسهل تصديقًا.

وهكذا تحولت حفرة علمية حقيقية إلى أسطورة مرعبة.


الثاني عشر: هل توقف مشروع كولا بسبب اكتشاف الجحيم؟

لا يوجد دليل على ذلك.

المشروع توقف بعد سنوات من العمل لأسباب علمية وتقنية ومالية، وكان ارتفاع الحرارة في الأعماق أحد العوامل التي جعلت الاستمرار في الحفر أكثر صعوبة.

وتشير بيانات المشروع إلى أن درجات الحرارة المرتفعة، إضافة إلى الظروف الجيولوجية، جعلت الحفر أعمق أمرًا غير عملي. كما أن التمويل للمشروع توقف لاحقًا، وتحول الموقع إلى منشأة مهجورة.

أما القول:

«أغلقوا البئر لأنهم وجدوا الجحيم»

فلا يوجد عليه دليل تاريخي موثوق.


الثالث عشر: ماذا يقول العلم عن حرارة باطن الأرض؟

إن وجود حرارة شديدة في باطن الأرض ليس أمرًا غريبًا.

الأرض نفسها جسم شديد الحرارة في أعماقها، وتوجد مصادر متعددة للحرارة، منها الحرارة المتبقية من تكوّن الأرض، والاضمحلال الإشعاعي لبعض العناصر، والعمليات الجيولوجية.

ولهذا توجد البراكين والمناطق الحرارية والمياه الجوفية الحارة وغيرها.

لكن من الخطأ أن نقول:

«بما أن باطن الأرض شديد الحرارة، إذن الجحيم موجود في مركز الأرض.»

فالنتيجة الثانية لا تلزم من الأولى.

العلم يصف الحرارة والصخور والضغط والمواد.

أما الجحيم فهو من أمور الغيب التي لا تُثبت بالقياس الجيولوجي ولا بالميكروفونات.


الرابع عشر: ماذا يقول القرآن الكريم؟

هنا ينبغي أن نقف وقفة مختلفة.

فنحن المسلمين نؤمن بوجود الجنة والنار، ونؤمن بعذاب القبر والبرزخ، ونؤمن بكل ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة.

لكن الإيمان بالغيب شيء، وربطه بتسجيل صوتي مجهول المصدر شيء آخر.

قال الله تعالى في شأن قوم نوح عليه السلام:

﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾
[نوح: 25].

وقد فسّر الإمام الطبري قوله تعالى:

﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾

بأن المراد نار جهنم، وذكر ذلك في تفسيره للآية.

وذكر ابن كثير في تفسيره أن قوم نوح نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، وهو تفسير لا يدل على أن النار كانت نارًا جيولوجية مخبأة تحت الماء، وإنما يتحدث عن عذابهم.

وهنا ينبغي تصحيح أمر مهم ورد في بعض الكتابات حول هذه القصة:

ليس من الصواب أن نجزم بأن قوله تعالى:

﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾

يعني أن قوم نوح أدخلوا في نار موجودة في باطن الأرض أو في عين الماء التي غرقوا فيها.

هذا قول يحتاج إلى دليل، ولا يوجد في الآية ما يثبت هذا التحديد الجغرافي.

أما أن الآية تثبت أن قوم نوح عوقبوا بالنار بعد الغرق، فهذا هو الذي دل عليه تفسير جماعة من أهل العلم، والله أعلم.


الخامس عشر: وماذا عن عذاب القبر؟

ثبت في النصوص الشرعية أن للإنسان بعد موته حياة برزخية، وأن هناك نعيمًا وعذابًا في البرزخ، وقد دل القرآن على عرض آل فرعون على النار:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
[غافر: 46].

فالآية تذكر عرضهم على النار قبل قيام الساعة، ثم تذكر عذاب يوم القيامة.

لكن لا ينبغي أن نستعمل هذه الآية لإثبات أن هناك فتحة في الأرض يمكن للبشر الوصول إليها ورؤية الجحيم أو سماع المعذبين.

فأمور البرزخ والغيب لا تُقاس بهذه الطريقة.


السادس عشر: هل الجحيم تحت الأرض؟

هذا سؤال مختلف عن قصة بئر كولا.

والجواب الذي ينبغي أن يقال فيه:

لا نعلم مكان جهنم على وجه القطع بدليل صحيح صريح يحدد إحداثياتها أو موقعها الجغرافي داخل الأرض.

وقد وردت نصوص في النار والجنة وصفاتهما وأحوالهما، لكن تحويل ذلك إلى خريطة جيولوجية للأرض يحتاج إلى دليل لا نملكه.

ولذلك لا يجوز أن نقول:

«بئر كولا لم يصل إلى الجحيم لأنه لم يصل إلى الأرض السابعة.»

ولا يجوز في المقابل أن نقول:

«وصل بئر كولا إلى الجحيم.»

كلا القولين يحتاج إلى دليل.


السابع عشر: وماذا عن سِجِّين؟

ورد ذكر سِجِّين في القرآن الكريم:

﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ۝ كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾
[المطففين: 7-9].

وقد وردت أقوال متعددة عن معنى سجين في كتب التفسير.

لكن ليس من المنهج الصحيح أن نحول هذه المسألة إلى تحديد جيولوجي ونقول إن سجين يقع على عمق كذا من سطح الأرض، ثم نقيس عليه قدرة الحفارين على الوصول إليه.

فهذا من أمور الغيب، ولا نملك خريطة حسية له.

والله أعلم.


الثامن عشر: هل وجود «سبع أرضين» يعني طبقات الأرض الجيولوجية؟

قال الله تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: 12].

والإيمان بما أخبر الله به واجب، وما ورد في السنة من أخبار الأراضي السبع نؤمن به كما جاء.

لكن لا ينبغي أن نجزم بأن المقصود بالأراضي السبع هو بالضرورة الطبقات الجيولوجية التي يدرسها علماء الأرض، ولا أن نجعل كل طبقة جيولوجية واحدة من تلك الأراضي دون دليل.

فقد يكون بين الأمرين وجه شبه، وقد لا يكون، والله أعلم.

وهذه قاعدة مهمة:

ليس كل توافق بين حقيقة علمية ونص شرعي تفسيرًا للنص، وليس كل اختلاف ظاهر بينهما دليلًا على التعارض.

فالقرآن كتاب هداية، وهو حق لا يتناقض مع الحقائق الثابتة، لكن تفسير آيات الغيب لا يكون بالظنون والنظريات المتغيرة.


التاسع عشر: هل نحتاج إلى القرآن لإثبات أو نفي قصة بئر كولا؟

لا.

وهذه في رأيي أهم نقطة في القسم الشرعي.

نحن لا نحتاج إلى نص شرعي لنقول إن قصة بئر كولا غير موثقة.

لدينا وسائل أخرى:

التاريخ، والوثائق، والتقارير العلمية، وتسلسل الرواية، ومصدر التسجيل.

أما القرآن والسنة فهما المرجع في الغيب الذي أخبرنا الله ورسوله عنه.

فلو ثبت علميًا أن هناك أصواتًا في بئر ما، فلن نقول إنها أصوات أهل النار إلا بدليل.

ولو لم تثبت القصة، فلن نحتاج إلى تأويل آية لإسقاطها.

وهذا أحفظ للدين وأدق في التحقيق.


العشرون: وماذا عن قولهم إن مصدر الرواية من غير المسلمين؟

هنا أيضًا ينبغي التمييز.

كون الخبر جاء من شخص غير مسلم لا يكفي وحده لإثبات كذبه، كما أن كون الخبر جاء من شخص مسلم لا يكفي وحده لإثبات صحته.

في الأخبار الدنيوية والتاريخية ينظر في:

مصدر الخبر، وسنده، وتعدد طرقه، وإمكان وقوعه، وموافقته للوقائع الثابتة، والوثائق المتعلقة به.

ولهذا فإن أقوى اعتراض على رواية بئر كولا ليس أن ناقلها غير مسلم، وإنما أن:

  • مصدرها الأول غير واضح.
  • لا يوجد تقرير علمي أصلي يثبتها.
  • شخصية «أزاكوف» غير موثقة في المشروع على النحو الذي تصفه الرواية.
  • أرقام العمق والحرارة تختلف اختلافًا كبيرًا بين الروايات.
  • التسجيل الصوتي لا يثبت مصدره.
  • القصة تضخمت عبر وسائل إعلامية ومنشورات غير علمية.
  • وهناك تاريخ معروف لإعادة تدوير الرواية وإضافة تفاصيل إليها.

وهذه أدلة أقوى بكثير من مجرد النظر إلى دين الناقل.


الحادي والعشرون: لماذا انتشرت القصة بهذا الشكل؟

ربما لأن القصة تجمع أشياء كثيرة يحبها الإنسان في الروايات الغامضة:

الاتحاد السوفيتي.

العلماء.

حفرة لا ترى نهايتها.

أعماق الأرض.

حرارة هائلة.

ميكروفون ينزل إلى الظلام.

صرخات بشرية.

عالم شيوعي يعلن إيمانه بالجحيم.

ثم يأتي الصوت نفسه ليمنح القصة حياة جديدة.

وهنا أصبح الإنترنت عاملًا مهمًا في انتشارها، خصوصًا منذ التسعينيات وما بعدها، لكنه لم يكن هو الذي أنشأ الرواية من الصفر؛ فالقصة كانت قد انتشرت قبل انتشار الإنترنت على نطاقه الحديث.

ثم بدأت المواقع والمنتديات والملفات الصوتية ومقاطع الفيديو تعيد نشرها، وكل ناقل يضيف إليها شيئًا جديدًا.

وهكذا تصبح الأسطورة بمرور الوقت أغنى من أصلها.


الثاني والعشرون: هل كان في بئر كولا شيء غريب فعلًا؟

نعم، ولكن ليس بالمعنى الذي تقصده الرواية.

كان هناك شيء غريب ومدهش من الناحية العلمية.

العلماء اكتشفوا في الأعماق خصائص للصخور والمياه والغازات والحرارة لم تكن مطابقة تمامًا لما كانوا يتوقعونه.

والدراسات العلمية اللاحقة استعملت البئر نفسه كمختبر جيولوجي عميق لدراسة خصائص الصخور والحرارة في الأعماق. وقد نُشرت أبحاث علمية عن بياناته الحرارية وخصائص العينات التي جرى استخراجها منه.

إذن الواقع الحقيقي ليس مملًا.

بل هو في الحقيقة أكثر إثارة من الأسطورة.


الثالث والعشرون: وأين ذهبت الحفرة؟

بعد انتهاء العمل وإهمال المشروع، بقي الموقع شاهدًا على واحدة من أعظم محاولات الحفر العلمي في القرن العشرين.

وليس هناك ما يلزمنا بتفسير توقف المشروع على أنه نتيجة لاكتشاف شيء خارق.

المشروعات العلمية تنتهي عندما تنتهي فائدتها، أو عندما تصبح تكلفتها أكبر من قدرتها، أو عندما تتغير الظروف السياسية والاقتصادية.

وهذا ما حدث في الاتحاد السوفيتي مع مشاريع كثيرة، خصوصًا مع نهاية الدولة السوفيتية نفسها.


الرابع والعشرون: التحقيق النهائي

بعد جمع ما أمكن من المعلومات، يمكننا تقسيم الرواية إلى قسمين:

ما ثبت

أولًا: بئر كولا مشروع حقيقي.

ثانيًا: بدأ الحفر سنة 1970.

ثالثًا: وصل أحد مساراته إلى عمق 12,262 مترًا.

رابعًا: كانت درجات الحرارة في الأعماق مرتفعة جدًا، ووصلت في أحد المسارات إلى نحو 180 درجة مئوية.

خامسًا: واجه المشروع مشكلات هندسية وحرارية وتمويلية حقيقية.

سادسًا: توجد تقارير ودراسات علمية منشورة عن المشروع منذ زمنه، ومنها تقرير USGS الصادر سنة 1986.


وما لم يثبت

أولًا: لا يوجد دليل موثوق على أن الحفارين وصلوا إلى عمق 14.4 كيلومترًا ووجدوا كهفًا يمثل الجحيم.

ثانيًا: لا يوجد دليل موثوق على وجود عالم باسم «ديميتري أزاكوف» بوصفه مدير المشروع وصاحب التصريحات المشهورة.

ثالثًا: لا يوجد تقرير علمي أصلي يثبت سماع صرخات ملايين البشر.

رابعًا: لا يوجد دليل موثوق يثبت أن الميكروفون المستخدم في الرواية سجل أصواتًا من الجحيم.

خامسًا: لا يوجد دليل على أن المشروع توقف بسبب اكتشاف الجحيم.

سادسًا: التسجيل الصوتي المتداول لا توجد له سلسلة توثيق تثبت أنه خرج من بئر كولا.

سابعًا: توجد مصادر متعددة تربط الصوت بمؤثرات سينمائية، ومنها مؤثرات فيلم الرعب الإيطالي Baron Blood الصادر سنة 1972، وإن كان من الأدق عدم الجزم بأن هذا هو المصدر الوحيد للتسجيل دون تحليل صوتي جنائي مستقل.


الخامس والعشرون: فما حقيقة «أصوات الجحيم»؟

بعد هذا كله، أرى أن العبارة الأدق ليست:

«أصوات الجحيم كذب قطعًا لأننا عرفنا مصدرها.»

ولا:

«أصوات الجحيم حقيقية لأننا لم نستطع تحديد مصدرها.»

بل:

لا يوجد دليل موثوق يثبت أن التسجيل الصوتي المتداول سُجل في بئر كولا، ولا أنه يحتوي على أصوات المعذبين في الجحيم.

وهذا هو القدر الذي نستطيع قوله بثقة.

أما المصدر الدقيق للتسجيل المتداول، فقد نوقشت له عدة تفسيرات، وأشهرها ربطه بمؤثرات فيلم Baron Blood، لكن هذا لا يغير النتيجة الأساسية؛ لأن التسجيل مهما كان مصدره لا توجد له سلسلة توثيق تربطه بمشروع كولا.


السادس والعشرون: الخلاصة

بئر كولا حقيقة.

الحفر السوفيتي العميق حقيقة.

الوصول إلى أكثر من اثني عشر كيلومترًا تحت الأرض حقيقة.

الحرارة المرتفعة في الأعماق حقيقة.

المشكلات الهندسية التي واجهت المشروع حقيقة.

أما:

الوصول إلى الجحيم،

والعثور على كهف مليء بالنيران،

وإنزال ميكروفون إلى ذلك الكهف،

وسماع صرخات ملايين البشر،

واعتراف عالم سوفيتي بأنه أصبح يؤمن بالجحيم،

فهذه أمور لم يثبت وقوعها بدليل تاريخي أو علمي موثوق.

والرواية في صورتها المشهورة أقرب إلى أن تكون أسطورة حضرية نشأت حول مشروع علمي حقيقي، ثم تناقلتها منشورات ووسائل إعلام وأضافت إليها تفاصيل حتى أصبحت قصة مستقلة بذاتها.

والأغرب في الأمر أن الأسطورة لم تكن بحاجة إلى اختراع البئر؛ لأن البئر الحقيقي كان موجودًا أصلًا.

وهنا تكمن قوتها.

فالحقيقة كانت:

رجال حفروا أعمق مما حفره الإنسان من قبل في قشرة الأرض.

ثم جاء الخيال وقال:

لقد حفروا حتى وصلوا إلى الجحيم.

وبين الجملتين وُلدت واحدة من أشهر قصص الرعب العلمي في العصر الحديث.


وأما أنا فأقول

بعد قراءة ما توفر من أخبار ووثائق ودراسات، وبعد مقارنة الرواية الشعبية بتاريخ بئر كولا، فإنني أميل إلى أن قصة الجحيم والصرخات ليست حادثة حقيقية وقعت في البئر، وإنما رواية شعبية بنيت على مشروع علمي حقيقي ثم أضيف إليها من الخيال والتضخيم ما جعلها تنتشر بين الناس.

وأما الجحيم نفسه، فوجوده عند المسلم ليس بحاجة إلى بئر كولا ولا إلى تسجيل صوتي؛ لأنه من الغيب الذي أخبر الله تعالى به، وصدق الله تعالى فيما أخبر.

قال سبحانه:

﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾
[آل عمران: 131].

وقال تعالى:

﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾
[الفجر: 23].

فالجنة والنار حق، وعذاب البرزخ حق، وما أخبر الله ورسوله به حق، سواء سمع الإنسان صرخة في بئر أو لم يسمع.

أما أن نربط عالم الغيب بتسجيل مجهول المصدر، أو بحفرة في الأرض، أو بطبقة من طبقات الصخور، فهذا أمر لا يصح الجزم به.

ولذلك أقول:

بئر كولا حقيقة، أما بئر الجحيم فأسطورة.

والله تعالى أعلم.


المصادر والمراجع

  1. U.S. Geological Survey – The Kola, USSR, Superdeep Drill Hole, تقرير علمي منشور سنة 1986 عن مشروع بئر كولا.
  2. Popov et al., New geothermal data from the Kola superdeep well SG-3, دراسة علمية منشورة في Tectonophysics سنة 1999، وتتناول البيانات الحرارية للبئر الذي بلغ 12,262 مترًا.
  3. Rich Buhler – Background on the Drilling to Hell Story, تحقيق يتتبع مراحل انتشار الرواية ومصادرها المبكرة وعلاقتها بشبكة TBN.
  4. Brian Dunning – Skeptoid #307: The Siberian Hell Sounds, تحقيق في قصة أصوات الجحيم ومصدر التسجيل والرواية المرتبطة ببئر كولا.
  5. Snopes – The Well to Hell, من المراجع المعروفة التي تناولت أسطورة الحفر إلى الجحيم وأصل الرواية.
  6. Åge Rendalen – Hell in Siberia, شهادة رندالن حول علاقته بالقصة وانتشارها عبر TBN في نهاية عام 1989.
  7. تفسير الإمام الطبري لسورة نوح، الآية 25، في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾.
  8. تفسير الإمام ابن كثير لسورة نوح، الآية 25، في بيان معنى الآية.

تنبيه منهجي

هذا البحث لا يقصد إنكار وجود الجنة والنار أو عذاب البرزخ، وإنما يميز بين ما ثبت بالوحي وبين ما يروى في الأخبار والأساطير، وبين المشروع العلمي الموثق وبين القصة الشعبية التي أُضيفت إليه.

والله تعالى أعلم.

WhatsApp